الخصائص الفريدة لمشكلة البطالة فى مصر
بقلم :أحمد حمدى حسن حافظ
(1)
كارثية مشكلة البطالة
ليست البطالة مشكلة لها خطورة أقتصادية فحسب ؛ وان كانت أحد أهم اسباب الفقر الذى يعتبر مشكلة مصر الاولى ف 80 % من الشعب المصرى تحت خط الفقر ، بل ان خطورة البطالة تندرج تحت الصحة العامة ، فالطب النفسى يرى انه ليكون الانسان سوى صحيح النفس ، لابد له من شيئين ان يعمل وان يحب ، فاذا كان الانسان لا يعمل وغير منتج فهو غير سوى نفسيا بالضرورة ،فتعريف الانسان السوى حسب منظمة الصحة العالمية أنه انسان منتج ،إذن فمشكلة البطالة هذه مشكلة صحية أولا ولذلك كان توفير العمل من أهم حقوق الانسان المادة 23 ( لكل شخص حق فى العمل ، وفى حرية اختيار عمله ، وفى شروط عمل عادلة ومرضية ، وفى الحماية من البطالة " لاحظ ربط حق العمل بحق اختيار هذا العمل وحق ان تكون شروط العمل عادلة ومرضية ، ولتفسير اكثر تاتى المادة 24 و25 و26 و"لجميع الأفراد دون أى تمييز الحق فى أجر متساو على العمل المتساوى - لكل فرد يعمل حق فى مكافأة عادلة ومرضية تكفل له ولاسرته عيشه لائقه بالكرامة البشرية وتستكمل عند الاقتضاء بوسائل اخرى للحماية الاجتماعية - لكل شخص حق انشاء النقابات مع اخرين والانضمام اليها من اجل حماية مصالحة ."
وذلك لان العمل من الحاجات الضرورية للانسان كالحاجة الى الاكل والشرب والمسكن وخلافه ..كما فى هرم ماسلوا للاحتياجات ، فاهمية العمل للانسان ليست فقط فى الاجر والنقود وانما فى :
1 - اعطاء قيمة للانسان (العمل كرامه - العمل شرف )
2 - ان يتعرف الانسان على ذاته من خلال العمل فيتعرض لاختبارات المواقف الحياتية .
3 - يشبع حاجته للتقدير .
4 - الشعور بالرضا ونمو الذات فالذات عبارة عن توجهات تؤدى لنشاط ثم لنشاط زائد ثم لتحمس ثم لشعور بالرضا ثم تقدير الذات
البطالة تؤدى لتشوه وخلل فى الانسان ، لذلك فحجم المشكلة اكبر بكثير من كونها رقم احصائى .
حتى الابحاث الاجتماعية ذو النزوع الاحصائى تحذر من الانعكاسات الاجتماعية الخطيرة للبطالة حيث تقول احد الدراسات لمركز حقوق المراة فى مصر ان 90 % من مرتكبى جريمة التحرش الجنسى من العاطلين عن العمل ، ناهيك عن مشكلة العنوسة وتأخر سن الزواج ، وعدم قدرة الشباب على اعالة اسرته مما ينتج مشاكل اقتصادية تؤدى لخلافات زوجية تنتهى بالطلاق الاخطر من ذلك تأثر قيمة الانتماء للوطن بمشكلة البطالة فالانتماء لاى ككيان اجتماعى لا يكون الا بالمشاركة فيه سياسيا واقتصاديا وكثير من الشباب لا يمكنهم ذلك لذلك تزيد حده الهجمة على الهجرة غير الشرعية الى الدول الاوروبية الاخطر من ذلك هو الانتحار فمن المعلوم ان الانتحار هو ثانى سبب للوفاه فى العالم بعد امراض القلب واقبال عدد كبير من الشباب المصرى على الانتحار كان نتيجة الشعور باليأس بسبب البطالة ، وعدم قدرتهم على اعالة اسرهم وذلك نقلا عن وزارة الداخلية التى تؤكد انها تلقت 3 الاف بلاغ بانتحار فى سنة واحدة هى سنة 2005 اصحابها معظمهم من الشباب فى سن لا يتعدى 40 عاما وان معظمهم من العاطلين والذين لم يجدوا فرصة عمل .
(2)
الكيف لا الكم
و بادئ ذو بدء وان اردنا ان نتحدث عن مشكلة البطالة فى مصر ، فاننا نحذر من الاعتماد على الارقام والجداول والاحصائيات ؛ الا من حيث كونها مؤشر وسط مؤشرات عديدة ، وسيفهمنى جيدا من يعانى من البطالة فقد انتهت الدنيا عنده فهو ميت بالحيا فى حين يرى السياسى انه مجرد رقم كمى .
فقد تحدث اينشنتين - مكتشف النظرية النسبية - عن ان الارقام نسبية ولا يوجد رقم مطلق دائما ، فالرقم نسبى بمعنى ان الارقام لابد ان تنسب لشئ ، فمثلا لو قلنا ان السيارة تسير بسرعة 50 كيلو متر فمعنى ذلك ان سرعة السيارة بالنسبة لسرعة الكرة الارضية حول نفسها وحول الشمس هى 50 كيلو متر ، ومن هذه النظرية نستنتج ان الرقم لا يمثل شئ الا اذا نسب الى شئ ما كيفى .
يقول القرآن الكريم (البقرة 249) قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ" و(المائدة 32 ) انه مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ فى سورة الانفال الاية 65 "يأيها النبى حرض المؤمنين على القتال ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وان يكن منكم مئة يغلبوا الف من الذين كفروا بانهم قوم لا يفقهون "
20 =200
100=1000
هذه معادلة قرانية خاصة بالكيف الارقام ، ومعنى ذلك ان العدد القليل قد يكون ذو قيمة ، وهذا ما ترفضه الارقام المطلقة حيث ان العدد الكبير افضل ( مجرد اكبر ) من العدد القليل ، فقد تكون الكثيره كغثاء السيل لا قيمه لها .
مثال هام : تعداد السكان دولة ما هل هو مؤشر على قوتها ام ضعفها ؟ لابد ان يقترن هذا التعداد بتوضيح وتقييم لاوضاع التعليم والصحة والاسكان والدخل فى هذه البلد ومدى مساهمة الافراد فى الانتاج والدخل القومى للبلد ، ولتوضيح هذه النقطة على وجه الخصوص ، فنحن نقول تعداد سكان العالم سبعة مليار وسبعه من عشرة ، والمليار الف مليون اى 9 اصفار يمين الواحد ، هل كل نسمه او فرد من حيث كيفها اثرها وتأثيرها فى تنمية العالم متساوية كالاخرى ، ان البشر ليس اكمام متساوية .
ولذلك عندما نقول ان 5 % فقط من سكان العالم عرب ، فاننا نكون قد ظلمنا الثقافة العربية ؛ لان دورها الكيفى فى التاريخ والواقع الحاضر اكبر من ذلك بكثير فالحضارة العربية تواصلت مع الحضارة الاوربية الحديثة ، واحدثت اثر فى الحضارة المعاصرة ككل وتأثرت بها تأثرا كبيرا ، بعكس الحضارة الصينية مثلا التى لم تتواصل اصلا تاريخيا وحضاريا مع حضارة اوربا التى صاغت حضارة العالم المعاصر ، اى انه اذا كان الصينيون اكثر من 30% فى العالم فهم منعزلون عن السياق الحضارى التاريخى والمعاصر، فان العرب الذى هم لم يتجاوزا 5% من سكان العالم اكثر منهم كيفيا ، فالكم خادع .
وعندما نقول ان المصريون هم ربع العرب عدديا فهذا لا يعنى انهم الاكثر تاثيرا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا بل نراهم هم عرضة لهجمات ثقافيه من دول عربية اخرى اقل عددا .
اننى فى هذه الدراسة اتعامل مع البشر، مع الفرد مع النسمة برؤية اقتصادية الى اى حد يمكن اعتباره مورد بشرى موظف جيدا للانتاج يصب فى الدخل القومى ؟ ام عب استهلاكى على الاقتصاد ؟
فلو نظرنا الى الدراسات التقليدية نلاحظ ان هذه الاحصائات، تبدوا وكانه هدف فى حد ذاته ، ويرجع ذلك الى عدم توافر خدمات المعلومات المناسبة ، حيث يصبح الحصول على هذه المعلومات صعبة ، وخصوصا عند وضع هذه المعلومات فى صورة بيانات رقمية فقط دون تحليل كيفى ، فيصعب توظيف هذه المعلومات.
ولتوضيح ذلك نسوق قصة اخيل والسلحفاة ، فى بلاد اليونان القديمة ، على لسان زينون الايلى للرد على الفيثاغوريين فى اهمية الارقام ، فتتلخص القصة فى ان اخيل وهو اسرع عداء فى اليونان القديمة ، يجرى ليلحق بسلحفاة ولكنه لن يلحقها وسوف تسبقه السلحفاه ، لو استخدمنا الحسابات العقلية فلكى يصل اخيل للسلحفاة لابد ان يقطع نصف المسافة ، ولقطع نصف المسافة فينبغى قطع ربع المسافة ولقطع ربع المسافة ينبغى ان يقطع ثمن المسافة ..ألخ وهنا نجد انه كى يصل الى السلحفاة ينبغى ان يقطع ما لا نهاية منه من الارقام الكسرية من المسافة اى انه لن يتحرك بالمرة لانه سوف يسقط فى اللانهاية ، وسوف تسبقه السلحفاه . اما فى العالم المحسوس فانه سوف يلحق وسيسبق السلحفاة ، ونستنتج مما سبق ان العالم المحسوس الذى نعيشه يختلف تماما عن عالم الارقام والحسابات الفعلية .
لذلك فالعصر القادم هو عصر الكيفيات وعصر العوامل والاسباب والحيثيات والمحسوبات وتراجع التعميمات التى تتنج من الارقام ، ويقول زكى نجيب محمود ، ان الدول النامية مازالت تعيش فى عصر الجاذبية والذى يعتمد على الارقام والقوانين والجداول الرقمية الثابته ، والجدير بالذكر ان تنبؤات الماركسية والنظم الشيوعية ، سقطت لاعتمادها على استنباط الاحكام من تصور جامد عن الحقائق والذى يسمى بالحتمية العلمية ، والذى ادى الى نمو كمى دون القدرة على التحول كيفيا بالمجتمع ، وكان الواجب استنباط الاحكام من حقائق تعتمد على رصد وملاحظة كل جوانب الواقع القائم المحسوس بل يتطرف رايت ميلز الى اكثر من ذلك للاعتماد على الخيال الاجتماعى فى دراسة الظاهرة والمشكلة الاجتماعية ،مخالفا كل ميراث المناهج الوضعية والبنائية لعلم الاجتماع . ويتعاظم دور الكيفية فى القرن الواحد والعشرين وأصبحت العلوم الاجتماعية تقاس تأثيرها بالمؤشرات والبعد عن الارقام والجداول التى تقتل روح الابتكار .
(3)
خمس محاور فى البطالة
1 - المحور الاقتصادى :
أولا : هناك يوجد العاطل الفقير ، ويندر ان يكون من اسرة فقيرة فهو غالبا من اسرة متوسطة ، لانها استطاعت تعليمه ولكنها لا تستطيع اكمال اعالته ، ولانه لو من اسرة فقيرة لقبل بدافع الحاجه اى عمل حتى ولو كان مهين وذو عائد بسيط ، ولكنه من اسرة متوسطة ولكنها من دنيا الوسطى ، لا تستطيع ان توفر له معايش الحياة من اكل وملبس ومأوى ، ويعد خدمتها كاسرة فى توفير نوع دونى من الاكل والملبس والمأوى او المأوى فقط . ولا اكون متعنتا ان قلت ان هذا العاطل بالتحديد هو احتياطى جريمه . وما فعله التعليم به ان شحذ مهاراته العقليه لكى يكون مجرما متميزا .
ثانيا : هناك العاطل الغنى او ميسور الحال وهو المعتمد على اسرته فى الاكل والملبس والمأوى ، واسرته قد تكون من شريحة الطبقة المتوسطة وسطى الوسطى او عليا الوسطى وقد يكون هذا العاطل عاطل لا يستطيع العمل اما لفقده الدافعية النفسية للعمل فهو يرى الدنيا معه مستورة ، او لوعيه الشديد بمعوقات العمل ، فمبالغة سوق العمل الحالى فى عدد ساعات العمل ( فهو يطلب دوام 12 ساعة او 10 ساعات فى عمل شاق بدنيا وذهنيا )( ولابد ان يكون شاق ذهنيا لانه فى غير التخصص التعليمى للعاطل وفى غير مجاله ) مقابل اجر ذهيد او حتى لو كان كبير فلا معنى له ،ونادرا اذا كانت ساعات العمل 8 ساعات وتكون باجر زهيد جدا ، ربما يزهد عنه العاطل ليختار العطله بدلا من هذا الاجر الزهيد ، اضف الى ذلك ان العاطل الذى يعمل تلك الاعمال البدنية يرى انه مستغل وان كل خير عمله ذاهب لصاحب العمل ولا ياخذ هو الى الفتات فيعطله ذلك الوعى عن العمل .هذه الفئة بالتحديد هى ما يركز عليها بحثنا هذا فهذا بذرة ريادة أعمال .
2– الوقت :
كيف تقضى وقتك ؟ "نفسك ان لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل" ، و" الوقت قطار عابر لا ينتظر احد فان لم تركبه فاتك " ، "وان الحياة ما هى الا مدة من الزمان لنعيشها " ،" دقات قلب المرء قائلة له ان الحياة دقائق وثوانى" ، كيف يتحكم العاطل المثقف فى الوقت ويديره ؟ فهناك متوقع ان تكون النشاطات تتمركز حول اللذة( وهذا له خطورته الاجتماعية ) ؟ او تتمركز حول العلاقات الاجتماعية ؟ او تتمركز حول الاعتناء بالذات ؟ ماذا يفعل باعتبار العاطل بذرة للمشاكل الاسريه واحتياطى جريمه .
متى تستيقظ ؟ ومتى تنام ؟ كيف يقضى العاطل يومه ، ماذا تفعل فى يومك وما هى عاداتك اليومية وكيف تقضى وقت فراغك ، الجلوس على المقهى ؟ نوعيه المقهى وماذا تشرب ؟ ومن اين تحضر المال اللازم للقهوة ؟ تجلس لوحدك ام مع الاصدقاء ؟ هل تلعبون ؟ هل تتحدثون؟ وفى اى موضوع ؟ كيف تشارك فى مسئوليات المنزل ؟ طلبات المنزل – ترتيب المنزل – الاهتمام بالنظافة الشخصية والشئون الاداريه – المذاكرة للابناء – مساعده الاباء والابناء والزوجه فى الذهاب للدكاترة والمستشفيات ومعامل التحاليل – زيارات اجتماعية لصلة الرحم – الفيس بوك – القراءة – البحث فى النت .
ما دور مراكز الشباب والرياضة وقصور الثقافه؟ والمواهب والهوايات كيف تعتقد ان الدولة تنظر لمشاكلك ؟ وتهتم بك ؟ ، لماذا لم تفكر بريادة المشاريع ؟
هذه الاسئلة هامة فى تقيم البطالة ومدى تأثيرها فى حياة وصحة الفرد ومن ثم مدى خطورتها ، وهذا بصراحة ليس فى نطاق بحثنا هذا لاننا نبحث عن نماذج ايجابية تحاول التغلب على المشكلة و لا تستسلم لها ، وهنا اترك للقارئ الكريم تفعيل خياله الاجتماعى ماذا يفعل العاطل بوقته ؟ وما مدى خطورة ذلك وانعكاساته الاجتماعية .
3 – الناحية النفسية وجودة الحياة :
ماذا يفعل العاطل فى المشاكل التى قد تواجهه مثل التاخر فى سن الزواج والتحرش ، الا يقع فريسه السلوك العنيف والفوضوى ويصبح لديه لا مبالاة ، كيف يتجنب الامراض النفسية ، كيف يتجنب الانخراط فى الجماعات المتطرفه الناس بتقول عليك ايه ؟ ودا مأثر فيك ازاى ؟ انت شايف وضعك ازاى ؟ وهل تستحق الاحترام ؟ هل تشعر بوجود مشكله ؟ وكيف تعمل على ادراءها ؟ هل تعتقد ان من له دوام عمل افضل حالا منك ؟ هل فكرت فى ريادة الاعمال ؟ هل وعيك اثر فى علاقتك بالعمل مشكلة ساعات العمل حرق الوقت ، طلب الخبرة السابقة ، مرتب لا يكفى لحياة كريمه.
4 – التأثير فى البيئة الاجتماعية
هل وضعك الاسرى مستقر ؟ هل هناك تشاجر التشاجر كيف تعى نفسك كبذرة للمشاكل الاسرية . هل فكرت فى الاشتراك فى الجمعيات والعمل الخيرى والتطوع .
5 – القيم الثقافية – التعليمية الدينية الابداعية:
بالطبع تؤثر البطالة فى كل القيم وفى الثقة بالمجتمع والناس وهذا التأثير فى حدود السلبى
كل هذه المحاور الخمسة والاسئلة التى تطرحها كانت موضوع دراسة عن البطالة للدكتور حمدى حافظ وهى من الدراسات التى أثرت كثيرا فى هذه الدراسة ، ولكن دراستنا تتخذ منحنى اخر ليس نحو توصيف المشكلة بل نحو محاولة حلها بتغيير نمط الاقتصاد ككل .
(4)
من الموسوعات
" بلغت نسبة البطالة فى مصر حسب اخر تعداد للسكان قام به الجهاز المركزى للتعبئة والاحصاء ، تعداد 2017 ، 12 % ايا كان ، الرقم يتجاوز 10% ، وهذا ببساطة يعنى استفحال المشكلة ، ليست محسوبه طبعا من عدد السكان بل من قوة العمل ، وهى تقريبا 40 مليون ، اى ان عدد العاطلين اكثر من 4 مليون ." اضف اليهم 60 مليون لا يعملون اصلا اما لانهم اطفال او مسنين او خارج قوة العمل باى شكل وهم عبء اعاله على قوة العمل اى ان قوة العمل محملة بالكثير من الاعالة ، على انه من المهم الاشارة للبطالة المقنعة حيث لا انتاج فعلى ، البطالة الموسمية ، و شبه البطالة : أولئك الذين يعملون فى حرف وقطاعات هامشية لا استقرار فيها تتسم بضعف الدخل للدرجة التى لا توفر الحياة اللائقة ."
هذا يجعلنا نصل لخلاصة مفادها ان حجم المشكلة فى مصر كبير جدا جدا وخصوصا لما تتسم به كتلة العاطلين فى مصر من خصائص فريدة :
(5)
الصورة الذهنية عن البطالة
يتخيل المسؤلون ان هذه الصورة تعبر عن البطالة فى مصر:
(عمال لا يجدون عمل )
والحقيقة ان الصورة الحقيقية المعبرة عن البطالة فى مصر هى :
مخرج : متعلم حضرى مثقف مؤهل لا يجد عمل
بالطبع سيختلف التعامل مع البطالة اذا غيرنا الصورة الذهنية عنها من الصورة الاولى للصورة الثانية .
وهذه هى الصورة الذهنية عن العاطل :
لكن فى الحقيقة هى :
(6)
بطالة بكر
" ما تتسم به كتلة العاطلين فى مصر من سمات خاصة هى :
1 – "أن الشطر الاعظم من كتلة البطالة يتمثل فى (بطالة الشباب) الذين يدخلون سوق العمل لاول مرة . مشكلة شبابية جدا .
وهذا يعكس مشكلة اجتماعية اصيلة مترسخة فى الوعى الاجتماعى للمجتمع ، اذا كان العاطل الشاب ينتظر ان يتعين موظف فى الدولة (ان فاتك الميرى اتمرمغ فى ترابه ) ، او على الاقل توظفه وزارة الهجرة والقوى العاملة ، او على الاقل تسأله أنت فين ؟ هى مشكلة فى الوعى بالنظام الاقتصادى المتبع فى الدولة .
وهذه المشكلة سببها تغير النظام الاقتصادى للدولة اكثر من مرة خلال اخر ستين سنة ، ومن اعقد الاسئلة التى نبحث لها عن اجابات ، ولا نجد ، ما هو النظام الاقتصادى المتبع فى مصر ؟ هل كانت اشتراكية عبد الناصر اشتراكية حقيقية ام راسمالية دولة ، وهل كان انفتاح السداح مداح للسادات راسمالية حرة ، وهل حقق مبارك نظام راسمالى أمن المنافسة ومنع الاحتقار ، وهل حقق السيسى راسمالية بعيدة عن احتكار مؤسسة الجيش للنظام الاقتصادى فى مصر ، مع احترام الدوافع والمبررات لذلك ؟ ، انا شخصيا لا اعرف ، ولا اعرف ما هو النظام الاقتصادى المتبع ؟
ولكن اعرف انه يجب ان يكون اقتصاد راسمالى سوقى حر، يؤمن المنافسة ، لا تتدخل الدولة فيه ، الا من حيث كونها تمنع الاحتكار وتؤمن المنافسة الحرة (1).
مصطلح " سوق العمل" ايضا يرتبط بالنظام الاقتصادى الهيكلى للدولة ، ويعكس ايضا مشكلة فى التعليم ؛ لان مخرجه النهائى لا يناسب سوق العمل .
ما هى الدولة ؟ الدولة هى مجموعة من الادوار الاجتماعية والسياسية وهى اربع ادوار ( قوى الدولة أو النظام أو ادواره : رمزية ، تنظيمية ، توزيعية ، استخراجية )
وتعرضت مصر كما يقال لمخطط اسقاط الدولة وقد نجح للاسف ، ونحن الان فى مرحلة بناء دولة من شبه دوله .
اهم دور للدوله هو الدور الرمزى ، ولكنه ليس الدور الوحيد للدولة ، الدور الرمزى الذى سقط بسقوط هيبة الدولة مع احداث يناير ، وتم التلاعب بهوية البلاد عبر حكم الاخوان ، ولكنه – الدور الرمزى - عاد وبقوه ، وكان من اهم اسباب صعود السيسى علىى راس الحكم ، انه كان قادرا على اعادة هيبة الدولة والدور الرمزى لها واستعادة الهوية المصرية الاصيلة . وللمزيد يمكن الرجوع لمقالتنا 30 يونيو واستعادة الهوية المصرية .
الدور الاستخراجى هو الاهم ، و هو حديث عن موارد الدولة المتاحة ومدى قدرة الدولة على تعظيمها والاستفادة منها (2) الى اقصى حد ، وهو الدور الاهم للدولة ، وهو الدور الذى اغفله نظام مبارك ( اذ فوت فرص للمزيد من تعظيم موارد الدولة ورضى بما وصل اليه ) فسقط فى 25 يناير ، ولقد سبق حديث الرئيس السيسى باننا فقراء قوى ...ومفيش..... نجيب منين..... اى ليس لنا موارد كافية ، واى موارد تمتصها الزيادة السكانية .
ولكن ثمة مورد وحد اتمسك به ، ولا يوجد وعى سياسى بأهمية هذا المورد وقدرته واحدا احدا على القيام بدولة كامله ، انه المورد البشرى ، ان الدولة تنظر للمورد الطبيعى ولا تنظر للمورد البشرى ، فتعجز عن توظيف المورد البشرى واستخراج كنوزه ، وهذا عجز تنظيمى له انعكاسات استخراجية ،- فالبنظر مثلا لعدد الاطباء المؤهلين جيدا فى مصر ( والطبيب المصرى لا نظير له فى العالم ) لا ينظر الى تأسيس اقتصاد خدمى فى مجال الصحة والطب ولو للسوق العربى فقط ( كما حدث فى تايلاند وماليزيا الذى يعتمد دخلهم على الاقتصاد الخدمى ) . ولكن لا يتم النظر للمواطن على انه مورد بشرى ينتظر النظام استغلاله للخروج بكنوزه بل ينظر اليه كعبء على الدولة ، فالدور التنظيمى للدولة فى ازمة ومشكلة مصر هى مشكلة ادارة وتنظيم .
وتعكس مشكلة البطالة البكر وهذا الاهم خلل فى نظام الدولة ( التنظيمى والاستخراجى ) وهذا الخلل كان المسئول الاوحد عن فشل نظام مبارك سياسيا وتفجر ثورة 25 يناير . نؤجل الدور التوزيعى لانه ليس هناك ما يوزع حتى الان .
ولاتضاح الرؤية لابد ان نحدد ما هو الدور الاقتصادى الذى ستقدمه مصر للعالم فى ظل المنافسة الراسمالية ؟ هل هو الدور الانتاجى ؟ وفى اى مجال ؟ ام الدور الخدمى ؟ وفى اى مجال ؟
انا اتحدث هنا عن هيكلة الاقتصاد ، اقتصاد الدولة
هل نحن دولة زراعية ؟ ام دولة صناعية ؟ ام دولة مؤهلة لتقديم اقتصاد خدمى ؟ ولو فى السوق العربية فقط فى مجال الصحة والتعليم ؟ كل هذا لن انظر اليه اطلاقا .
نحن دولة لها ثقافة عريقة ومميزة ، وهذه الثقافة تؤهلنا لانشاء محتوى معرفى فريد ومنافس ، يمكن لنا ان نتاجر به فى السوق العالمى ، عبر ما يسمى باقتصاد المعرفة .
نحن لدينا اقتصاد معرفى ، على الاقل تجارة المحتوى ، فهل نحن مستعدون ؟! بعبارة اخرى هل تتيح لنا امكانيات قوى العمل المتعطلة تأسيس اقتصاد معرفة ؟ الاجابة فى الفقرة القادمة .
(1) الفساد والتنمية
1 – المجتمع الذى يعظم العمل ويعظم الوسيله المشروعه ( مجتمع منتج مثالى)
2 – المجتمع الذى لا يعظم العمل ويعظم الوسائل غير المشروعه (مجتمع كسول فاجر )
3 -المجتمع الذى لا يعظم العمل ولا يعظم الوسيلة المشروعه (مجتمع اللامبالاة ايل للسقوط )
4 -المجتمع الذى لا يعظم العمل ويعظم الوسائل المشروعه ( مجتمع كسول ويدعى التدين )
5 - المجتمع الذى يعظم العمل ويعظم الوسائل غير المشروعه ( مجتمع منتج وفاجر )
اخشى ان نكون المجتمع رقم 2
(2) يقاس نجاح اى نظام سياسى على هذا المعيار مدى تعظيم موارد الدولة والاستفادة القصوى منها ( هذه هى التنمية وهى خطة التنمية )
(7)
بطالة متعلمة
2 – أن البطالة فى مصر ، هى بطالة متعلمة ، فالغالبية العظمى من العاطلين من خريجى الجامعات ومدارس ثانوية ، ويلاحظ أن نسبة المتعلمين فى كتلة المتعطلين آخذه فى الازدياد ، وهو ما يعنى اهدار واستنزاف طاقات وموارد استثمارية تم استثمارها فى العملية التعليمية ،دون ان ينتج عنها عائد ، يتمثل فى تشغيل هذه الطاقة البشرية لتصبح منتجة .
فقد كانت تشكل نحو 76 % من جملة المتعطلين فى عام 1986 اما فى عام 2001 فانه وفقا للبيانات المستخدمة من بيانات اللجنة العليا للتشغيل ، فان العدد الاجمالى للمتعطلين بلغ 4 مليون عاطل منهم نحو 3 ملايين متعلم ، مما يعنى ان المتعلمين يشكلون حوالى75 % من عدد المتعطلين بل تصل بعض البحوث بالنسبة 90 % .
ان العمالة المتعلمة ليست عمالة رخيصة غير واعية يمكن استغلالها باى شكل ، كما يطمح رجال الاعمال فى مشاريعهم ، لذلك لا عجب ان يشتكى رجال الاعمال من قلة العمالة فى مصر ، رغم البطالة ، لدرجة جعلتهم يعتقدون ان العاطلين لا يريدون العمل . المشكلة انه لا يوجد مشاريع حقيقية تحتوى تلك العمالة المتعلمه .
كما ان هذا يعكس مشكلة فى التعليم الذى تحول لتلقين وتدجين، لا لزوم له ، فالعلم الحقيقى اذا تم تعليمه سيسعى ليشق طريقه فى السوق وفرض نفسه بالقوة كمصدر للربح ، فالمطلوب من المتعلم ان يكون متميز مزود بالقدرة الابداعية والابتكارية التى تؤهله لشق طريقه ولو وحيدا ، والقدرة على توظيف نفسه بامكانياته هو ، فى اطار اقتصاد المعرفة ، سواء تجارة المعرفة او تفعيل المعرفة فى المجالات الاقتصادية الاخرى كالزراعة والصناعة والتجارة ، ولكن هناك تعليم وهذا مؤشر للاستعداد لاكتساب القدرة الابداعية والابتكارية . والولوج لاقتصاد المعرفة .
4 – ارتفاع نسبة البطالة بين النساءعن الرجال . هذا طبيعى ولا تعليق عليه .
5 – اتجاه معدلات البطالة للارتفاع فى الحضر بعد أن كانت فى فترات سابقة ترتفع بنسبة اكبر فى الريف ، حيث تشير بيانات تقرير التنمية البشرية 1995 الى ان معدلات البطالة فى الحضر كانت 12 ونصف فى المئة مقابل تسعة واثنين من عشرة فى الريف ، يمكن ايجاد تفسير لهذه الزيادة فى كون الجزء الاكبر من البطالة هى بطالة متعلمة ، وهى عادة موجودة بنسبة اكبر فى الحضر الى جانب قدرة قطاع الزراعة وخاصة الزراعة العائلية على استيعاب عمالة اضافية حتى وان كانت زائدة عن حاجة العمل مما يقلل من نسبة البطالة الظاهرة فى الريف مقابل الحضر "
هذا يجعلنا نصل لخلاصة مفادها ان لدينا بطالة بكر لم تدخل سوق وهذه مشكله تنظيمية وانها حضرية وانها متعلمة ، وكلما زاد التعليم زاد حجم مشكلة التعرض للبطالة .فالبطالة نسبتها اكبر لحملة الماجستيرات والدكتوراه .
(10)
انماط العاطلين
وهنا ايضا نطرح تساؤلات : هل العاطل كالعاطل من حيث الاثر الاجتماعى والاقتصادى ، فهناك عاطل فقير معدم ينتظر الجوع له ولمن يعول ، وهناك عاطل غنى (ربما بالوراثة وتضامن الاهل معه ) ، وهناك عاطل بذرة مجرم واحتياطى جريمة ( حسب التنشئة الاجتماعية له ) وعاطل بذرة عالم او بذرة باحث ، وعاطل بذرة رائد اعمال. وعاطل بذرة ثورجى .
وهل العاطلون كالموظفون ؟ ، وهل الموظف الحكومى الذى يعمل فى قطاع خدمى كالموظف الحكومى الذى يعمل فى قطاع انتاجى ؟ ، او كالموظف فى قطاع الاعمال ؟ ، وهل هو كالموظف فى القطاع الخاص؟
وهل الموظف الذى ييسر الاعمال الادارية ؟ كالفلاح عصب الانتاج الزراعى ؟ ، او كالعامل فى المصنع عصب الانتاج الصناعى ؟ ، كالعامل الحرفى المهارى الفنان ؟ ، كالعامل الفاعل الشيال ؟
وهل كل هؤلاء هل هم كالفئات ؟ من محامى وطبيب ومهندس .
وهل كل هؤلاء كرجل الاعمال ؟ التقليدى المستثمر الكبير او الصغير ، وصاحب المشروع الكبير من شركة او مؤسسة تدر ربحا ، او صاحب المشروع الصغير من دكان وخلافه ، وهل صاحب المشروع كصاحب المشروعات ؟ ، وصاحب الشركة كصاحب المجموعه كصاحب المجموعات ؟ .
وهل كل هؤلاء كرائد الاعمال ؟ الصغيرة او رائد الاعمال الكبيرة التى تحتاج لرأس مال كبير ، وهل كل رأس المال يحسب بالاصول المالية وراس المال البشرى ، ام براس المال الرمزى الذى احيانا يكون علامه تجارية او ما شابه ، او قدرات ومهارات على تفعيل العلم والمعلومة فى الواقع .
البشر يتفاوتون من حيث الكيف ومن حيث مشاركتهم فى التنمية واثرهم فى المجتمع ، هناك فرق وفرق كبير ، فى فيلم واحد من الناس خاطب عزت ابو عوف كريم عبد العزيز : قائلا انت فرد واحد اما انا فعدد عمال مصانعى ومؤسساتى هم انا فانا ليس فرد واحد .
مع التأكيد ان أثر مشكلة البطالة أكبر من حجمها الكمى . المصرين يشكلون 1.3 % من سكان العالم وهم تقريبا ربع سكان العالم العربى الذى يشكل 5% من اجمالى سكان العالم .
الصين - المانيا - الولايات المتحدة – مصر
" العاطلون فى مصر بخير "
العلاج الهيكلى لمشكلة البطالة فى مصر
" دراسة قوى العمل المتعطلة فى مصر وامكانياتها ، واقتراح آليات الاستغلال الامثل لهذه الامكانيات فى زيادة الانتاج "
رؤية فلسفية ميدانية
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق