دكان فلسفة philosophy shop
بقلم : احمد حمدى حسن حافظ
القوة الناعمة Soft Power :
لم أكن يوما ما ذلك المهتم بالأمور السياسية ، فكنت دوما أرها أكثر الأمور قشرية وسطحية ، ولكن ما أستفزنى ذات مرة عندما كنت جالسا مع أبى أمام التليفزيون نستمع سويا لخبر عن استشهاد بعض الفلسطينين على يد جيش الاحتلال الاسرائيلى (عام 2000 تقريبا) ، أعقبه خطاب لأحد القادة السياسين العرب عن السلام وضرورة العودة لعملية السلام ، فقال لى أبى : " بالرغم من كل الاعتداءات الإسرائيلية الواضحة والتعديات والسلوك الاجرامى المستفز مازالوا يتحدثون على "السلام" ، هل هؤلاء الناس أسوياء ؟ " فرددت بسرعة : "السلام خيار العرب الاستراتيجى " .
فقال أبى ماذا يعنى هذا ؟ فقلت :"لان العرب لا يستطيعون ان يختاروا اى خيار غيره ، فلو اختاروا القوة والحرب و المقاومة مثلا من أجل استعادة العرض والارض والمقدسات فسيكون ذلك بالتعبير المصرى " موت وخراب ديار" وفناء تام وشامل للأمة العربية التى تشكل 5% فقط من سكان العالم المعاصر .
فالرؤوس النووية لإسرائيل وحلفاءها فى أمريكا والغرب تنتظر تلك اللحظة المجنونة التى يتخلى فيها العرب عن خيارهم الاستراتيجى ، لتريهم كيف يكون الهلاك والإبادة .كما فعلوا بالهنود الحمر، وربما يكونوا رحماء معنا ويجعلونا نموت من الجوع كمواطنى القارة الافريقية ،حيث يموت يوميا 30 الف افريقى من الجوع ، إذ هم فضلوا استخدام السلاح الاقتصادى ، فأنه من العقل ومن الحكمة ان يظل السلام خيارنا الاستراتيجى الى ما شاء الله ، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا . وان كنا نتصور أن لنا قيمة بسبب النفط فان العلم لا يبارح أن يكتشف مصادر أخرى للطاقة .
(تسمى القضية الفلسطينية عن العرب فى كلاسيكيات الكتابات السياسة "المنشط الجنسى للعرب " فهى القضية التى تشعر العرب بضعفهم وذلهم و هوانهم وانهم مازالوا قابعين تحت أهوال الأستعمار والأحتلال ، وهذا يستفزهم جدا ويجرح كرامتهم واحساسهم بالشموخ ، فيحثهم على الفعل الغاضب فى اى اتجاه ، ولكن لا يبرز منهم غير فعل واحد هو " الفعل الخطابى اللغوى الحنجورى " مما جعل البعض يصفون العرب بأنهم مجرد "ظاهرة صوتيه لا أكثر " .
ولقد عمل كثير من المفكريين السياسين على محاولة تحويل طاقة الغضب والشعور بالاستفزار فى القضية الفلسطينية الى طاقة عمل ايجابية فى مجالات تحقيق تقدم اقتصادى او علمى او حضارى ، نذكر محاولات الحديث عن تكتل اقتصادى عربى وسوق عربية حرة مشتركة فى مواجهة العولمة ، ونذكر محاولة الاستفادة من تجربة دول الاسيان و النمور الاسياوية من انهم تعاونوا اقتصاديا لاقصى حد ، متجاهلين متجنبين (لأعتبارات مؤقته ) ما بينهم من خلافات وصراعات ومشاكل سياسية على الحدود او المصالح الاخرى وخلافة فحيدوا الصراع ووضعوه جانبا وتعاونوا جميعا حتى يكتسبون قوة للاستمرار . ونذكر محاولات أحمد زويل من أمداد الاعلام بالمعلومات عن البحث العلمى والمشاركة العلمية ومقارنة الدول العربية بإسرائيل فى هذا الموضوع كنوع من الاستفزاز الهادف لمحاولة تحريك العرب . ولكن لا يكون فى الاخر هناك إرادة سياسية يستفزها هذا النوع من الكلام .
والعرب مجتمعون لا يشكلون الا حوالى 5% من سكان العالم ، ولكن حجم اللغة العربية والتراث العربى الحضارى أكبر بكثير من الحجم السكانى وذلك لعمق التأثير الثقافى والحضارى فيما مضى على تأسيس الحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة الموجودة اليوم . فالعرب كانوا حلقة وصل حضارية لا غنى عنها لحضارة العالم اليوم . فضلا عن ذلك تشكل المنطقة العربية او الشرق الاوسط او العالم القديم او مهد ديانات العالم (فرأس المال الرمزى المتمثل فى الاصول الثقافية التراثية للحضارة العربية كبير جدا فى عالم اليوم ) المنطقه الاخصب ثقافيا وكذلك الاكثر سخونة فى العالم من حيث تأجج الصراعات والحروب والمشاكل السياسية وغياب الاستقرار .
لكن دراسة الفلسفة علمتنى ان أبحث وراء العلل البعيدة للاشياء ، فما علة ضعفنا وهواننا على الناس ؟ إنها وببساطة أننا لا نملك ناصية الاقتصاد (القوة الاقتصادية) ، فنحن (الدول العربية ) دول نامية مستقلة حديثا فقيرة جاهلة متشرذمة ، مازلنا نتكلم عن محاولة حل ظاهرة العنوسة ليتزوج الشباب ، ويفجروا لنا تلك القنبلة السكانية التى تزيد من تعقد مشاكلنا الاقتصادية .
نظرة عابرة على الأقتصاد المعاصر نرى من خلالها اقتصاديات السوق وحرية التجارة هى السائدة بما تحمل فى طياتها من خصائص تنافسية تعتمد على المعلومات والكفاءات الابداعية للافراد .
اى ان القضية الاقتصادية برمتها فى وقتنا الحالى تعلن عن اكتشاف ثروة جديدة فكما كان اكتشاف الزراعة نقلة فى حياة الانسانية من مرحلة الجمع والالتقاط والتجول الى مرحلة الاستقرار ونشوء الحضارات الزراعية ، وكما كانت التجارة سببا رئيسيا فى حياة تلك الأمم الهامشية التى قامت بجوار الحضارات الكبرى ، وكما كانت الثورة الصناعية وبداية معرفة الانسان للمصنع سببا فى قيام الحضارات الحديثة ، فان اكتشاف قدرة الفرد الابداعية هى التى أدخلتنا عصر المعلومات .
عصر يتشكل فيه الاقتصاد باكتشاف الانسان انه يحتاج إلى أشياء لم يكن آدم أبو البشر يفكر ان ابنائه سيحتاجون إليها فى المستقبل ، فيحتاج ذلك الطالب الى موبايل وكأنه شئ ضرورى لا غنى عنه ، وتفتح بيوت صناعة الموبايل وشركات الاتصالات لتشكل عصبا اقتصاديا هاما ، كما أن احتياج الانسان للبرامج التليفزيونية ومتابعة الأحداث و الاخبار مباشرة ووقت حدوثها لينعم الفضول الانسانى ، قد مهدت لان يصبح الستالايت من ضروريات الحياة وتفتح بيوت من لم يكونوا يحلمون بان يكونوا فنانون ومحللين سياسيين وإعلاميون ليسدوا هذا الفراغ الزمنى الهائل فى الفضائيات .
خلاصة القول ان الحاجات الإنسانية تغيرت وأصبح الجديد فى مجال الاقتصاد هو أن الحاجات الإنسانية لا نهاية لها وترتبط بقدرة الاقتصادى المستثمر على اكتشافها المستمر.
لكن من هو الفرد المبدع فى مجال اكتشاف الحاجات الإنسانية ومن هو الفرد المبدع فى مجال اشباع هذه الحاجات الإنسانية ، انه وبلا شك سيكون من أغنياء هذا العصر كل حسب كفاءته وقدرته التنافسية هذه هى الراسمالية العالمية فالراسمالى المعاصر لابد أن يكون من الأذكياء المواكبين لاحتياجات الناس .
هذا يقودنا الى نقطة هامة ذكر أن أشرت إليها الكفاءة الفردية ومن اين تأتى ؟ بالتعليم والتدريب المستمر.
إذن تلك هى البداية الحقيقية للتقدم الاقتصادى التعليم والتدريب المستمر ولكن حديثنا عن التعليم يوحى بان هناك ما سنعلمه اى لابد من وجود علم والا اصبح التعليم لا معنى له اى لابد من وجود بحث علمى تلك هى نقطة البداية إذا أردنا أن لا يكون السلام خيارنا الاستراتيجى ليكن البحث العلمى خيارنا الاستراتيجى .
لكن السؤال الان ما هى أدوات ذلك البحث العلمى ومتطلباته المجتمعية ؟
لن أستطيع أن أفيد فى هذا النطاق الضخم الذى حددته " البحث العلمى " فكل حسب تخصصه نحن نحتاج الى الكثير من المتخصصين ليحدثونا عن أدوات بحثهم وعموما نحتاج فى هذا الصدد إلى حركة ترجمة واسعة النطاق وحركة اكبر لتعليم اللغات الأجنبية المختلفة وحركة أكبر لإحياء التراث العلمى للثقافات القديمة فضلا عن إحداث تغيير ثورى فى نظم التعليم وأساليب وآليات التدريس والتدريب
لكننى سأتكلم هنا عن مجال واحد هو الفلسفة
والسؤال الاساسى هنا هل ثمة فلسفة اقتصادية ؟ بمعنى هل ثمة علاقة بين الفلسفة والاقتصاد
فى عصور مضت كانت الفلسفة هى الموجه الأول للاستراتيجية الاقتصادية ولا ننسى هنا فيلسوف من المع الفلاسفة فى هذا المجال وهو ماركس الذى وضع فلسفته الاقتصادية الشهيرة
لكن فى عصرنا هذا تعد الفلسفة موجهة أيضا للاقتصاد ولكن بطريقة أخرى غير طريقة النظريات النسقية الكبرى التى تم دفنها مع بداية عصرنا هذا عصر ما بعد الحداثة
اننى عندما أتحدث اليوم عن فلسفة موجهة للاقتصاد أتحدث عن فلسفة الثقافة باعتبارها فلسفة كل إنسان فرد فى الحياة تلك الفلسفة التى ترتب اوراق الفرد واولوياته الاقتصادية فهذا الفرد هل يفضل الكتاب عن الكباب ؟ وهل يفضل الزواج عن العمل ؟ وهل يفضل شعبان عبد الرحيم عن ريكو ؟ وهل يفضل الطعام الصينى عن الطعام الامريكى ؟ وهل لديه إحساس بالحاجة لم تشبعها بعد السلع والخدمات المتاحة أن هذه الاولويات التى تحددها الفلسفة الشخصية لذلك الإنسان هى التى تتحكم فى الاقتصاد العالمى إذن فثقافة الفرد التى هى فى صميمها فلسفة هى الموجه الحقيقى للاقتصاد ولكن ثمة طريق أخرى لربط الفلسفة بالاقتصاد هى اعتبار الفلسفة منتج ثقافى سلعة ذات ألوان متعددة تبحث عن سوق
ومن الذكاء أن نحاول توسيع مجال هذا السوق والا سيجلس الفلاسفة جوعى فى بيوتهم فلنستخدم كل الطرق المشروعة وغير المشروعة لجعل المنتج الفلسفى منتج مطلوبا وعليه إقبال ليصبح يوما ما للفلسفة بورصة تعلوا فيها أسهم هذا الفيلسوف تارة وذاك الآخر تارة على الفلسفة تقضى على هذا الخواء واللامعنى الذى يشهده عصرنا هذا.
ولكن كيف نعد هؤلاء الفلاسفة الذين سيكونون فى حلبة التنافس على جذب أموال الناس بمنتجاتهم والفلسفة بالذات تحتاج الى جهد ابداعى فائق ليذيب تلك الحواجز الحديدية بين الناس والفلسفة فهى تحتاج لجهد وجهد كبير مركزة هو الابداع وخطتى هى الاتى
1 – الترجمة وتعليم اللغات المختلفة
2 – إحياء التراث للثقافات القديمة
3 – مجموعة دراسات تأسيسية عن اقتصاديات المعرفة عموما واقتصاديات الفلسفة بوجه خاص
4 – مجموعة دراسات تأسيسية عن الاعلام الفلسفى وتوصى بتجديد وتبسيط المنتج الفلسفى فى اشكاله
(كتب شرائط كاسيت وفيديو مناظرات خطب محاضرات اسطونات مواقع انترنت ) ويكون العمل هنا على محور الاثارة جعل القضايا الفلسفية تبدوا أكثر إثارة ومحاولة إختلاق معارك ومناظرات فكرية وفلسفية جماهيرية.
5 – دراسات تأسيسية فى فلسفة الثقافة – فلسفة الفرد المعاصر
على الفلسفة أن تقتحم كل مجالات الحياة وهى الأقدر على ذلك لتحتكر بذلك المنتج الثقافى كله
لعل البعض من الاكاديمين يرون أن هذا الحديث عن الفلسفة كمنتج ثقافى ( مثله مثل الفن ) يتشابه مع أسلوب السوفسطائيين الذى يشرفنى أن أكون واحد منهم حيث كانوا يتعاملون مع الفلسفة كمصدر للربح وانا أرى أن القيمة الجوهرية لاى شئ من المحبذ أن تتوازى مع القيمة الاقتصادية ومن ثم يشرف الفلسفة أن تكون مصدرا للربح
علينا أن نعالج مشكلة اغتراب الفلسفة عن واقع الانسان الفرد المعاصر فالفلسفة من أجل الإنسان إننا بحاجة للذة والمتعة الناشئة عن فعل التفلسف سواء كنا الفاعلين او المستمتعين .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق